من هنا نبدأ …الإسراء والمعراج ...  رحلة القرب الإلهي ومنهج القيم والعلم المستمر للأمة

في خضم هذا العصر بما يحمله من زخم وتسارع في الأحداث، وهيمنة الماديات، وتشتت العقول،

من هنا نبدأ …الإسراء والمعراج ...  رحلة القرب الإلهي ومنهج القيم والعلم المستمر للأمة
من هنا نبدأ …الإسراء والمعراج ...  رحلة القرب الإلهي ومنهج القيم والعلم المستمر للأمة


د . م. مدحت يوسف
16 يناير 2026
في خضم هذا العصر بما يحمله من زخم وتسارع في الأحداث، وهيمنة الماديات، وتشتت العقول، وضياع البوصلة القيمية، يصبح لزامًا على الإنسان أن يتوقف لحظة تأمل أمام رحلة الإسراء والمعراج. ليست هذه الرحلة مجرد حدث تاريخي مضى، بل هي معجزة ربانية مستمرة في أثرها، ومنهج حياة يوجه الإنسان نحو الوعي والسكينة والقرب من الله. تحمل بين طياتها العبر والدروس التي تصلح لكل زمان ومكان، لتكون هداية وعبرة للخلق إلى قيام الساعة.
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
.
بهذه الآية يفتح الله نافذة للإدراك بأن القدرة الإلهية مطلقة، وأن ما يعجز العقل عن تصوره في زمن قد يصبح ممكنًا في زمن آخر حين يأذن الله بكشف شيء من علمه.
جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، وهو العام الذي فقد فيه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عمه وزوجته، حيث اشتدت الصعوبات وضاقت به السبل. فجاء التكريم من السماء ليعلن أن الابتلاء مقدمة للتمكين، وأن الصبر طريق للرفعة والتكريم الإلهي. لم يكن الإسراء هروبًا من الواقع، بل كان إعدادًا إلهيًا لمرحلة أعمق من الوعي والتمكين الروحي.
بدأت الرحلة من المسجد الحرام، ثم انطلقت إلى المسجد الأقصى، في مشهد يرمز إلى وحدة الرسالات وترابط المقدسات. هناك صلّى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إمامًا بالأنبياء، ليُظهر أن خاتمية الرسالة وقيادة الأمة البشرية للمنهج الرباني مكانة أبدية ومسؤولية مستمرة.
ثم جاء المعراج، الرحلة من الأرض إلى السماء، صعود من عالم الحس إلى عالم الغيب، مرورًا بالسماوات، وفي كل سماء دروس وعبر، حتى بلوغ سدرة المنتهى، المقام الذي توقفت عنده الملائكة، ولم يتقدم جبريل عليه السلام، وتجلى مقام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وحده بإذن الله إلى مقام لم يبلغه بشر ولا ملك. هناك كان اللقاء المباشر مع الله، وفرضت الصلاة هدية إلهية للأمة، معراج الأرواح وسبيل القرب اليومي بين العبد وربه.
وتتجلى المعجزة في أن الإسراء والمعراج يعيشان معنا كل يوم خمس مرات مع كل صلاة فُرضت في تلك الليلة المباركة. في كل صلاة يبدأ القلب رحلة جديدة، وفي الركوع ينكسر الكبر، وفي السجود يبلغ الإنسان أقرب حالاته إلى الله، لحظة قرب لا يبلغها إلا في تلك الخشوع الكامل، حيث يلتقي العبد بربه كما التقى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى.
هذه الرحلة العظيمة تحمل بعدًا معرفيًا وروحيًا في آن واحد. ما كان خارقًا للعقل في ذلك العصر – مثل الانتقال بين مكة والقدس، وعبور السماوات – أصبح اليوم موضوعًا للعلوم الحديثة، من استكشاف الفضاء، إلى اختراق قوانين المادة والطاقة، إلى سرعة انتقال المعلومات. كل اكتشاف علمي جديد ليس إلا كشفًا جزئيًا لسنن أودعها الله في الكون، تعكس عظمة الخالق وامتدادًا للمعرفة الإلهية التي بدأت بالإسراء والمعراج.
وتؤكد هذه الرحلة أيضًا مكانة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فوق جميع البشر والأنبياء، فهو الذي بلغ سدرة المنتهى، وحمل تكريم الله لأمته في مقام لم يبلغه غيره، فتُصبح حياته ومنهجه دليلًا للأمة على القرب من الله، وعلى السعي وراء العلم والقيم واليقين.
إن الإسراء والمعراج ليست مجرد قصة تُروى، بل منهج حياة وميزان وعي. فهي تزرع في النفس الطمأنينة، وتعيد ترتيب أولويات الروح، وتؤكد أن الرفعة الحقيقية لا تكمن في السيطرة على الكون، بل في معرفة الخالق والالتزام بتوجيهاته.
وهكذا، يعيش الإسراء والمعراج معنا كل يوم في الصلاة، في الركوع، في السجود، وفي كل خشوع. كل صلاة هي معراج جديد، وكل سجدة هي فرصة للوصول إلى القرب من الله، والعيش في ضوء تلك الرحلة المباركة، وتجديد ما حمله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من قيم ومعارف ومعجزات.
الإسراء والمعراج نور يهدينا وسط ضجيج الأرض، ويجعل من الصلاة جسرًا مستمرًا بين الأرض والسماء، ومن السجود تجربة يومية لتجديد القرب من الله، ومن القيم التي حملتها الرحلة منهجًا حيًا للأمة إلى قيام الساعة.
#خطى_الوعي #د_مدحت_يوسف #الهدف #الأخلاقيات #التعليم 
@topfans خطى الوعي DrEng Medhat Youssef Moischool